أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

46

التوحيد

قال : نعم ، بمعنى أنها توصف ، لكن ذلك إنما يوجد ما دام الواصف به قائلا ، فإذا أمسك لا . قال الفقيه رحمه اللّه : تأملوا عظيم منزلة المعتزلة بهذا الذي هذا مبلغ علمه بالصفة والموصوف والمجاز والحقيقة مما لو قرن به أجهل أهل توحيد اللّه لاستعظمه ، ثم يقدم قومه يوم القيامة فيوردهم المورد الذي هذا وصف سبيله نسأل اللّه العصمة . قال أبو منصور رحمه اللّه : الأصل أن اللّه عز وجل قد ثبت وصفه بالكلام بحجة السمع والعقل ، فالسمع قوله وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] ، ذكره بالمصدر مع غير تمانع بين الخلق بكلام اللّه ، وقد وجد الاتفاق على أنه متكلم وأن له كلاما في الحقيقة وإن اختلفت الآراء في مائيته . ولا أنكر على الذين قالوا : لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ [ البقرة : 118 ] إلا بوصف التّكبّر والجهل بمنزلة أنفسهم ، وكذلك قوله : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ [ البقرة : 75 ] . وأما العقل : إنّ كل عالم قادر لا يتكلم فعن آفة ، يكون من عجز أو منع ، واللّه عنه متعال ، ثبت أنه متكلم . على أن الذي لا يتكلم في الشاهد إنما لا يتكلم - بالمعنى الذي لا يسمع ولا يبصر - من الآفة ، واللّه منزه عن المعنى الذي يقتضي الصمم والعمى ، وكذلك البكم ، وهو أولى ؛ إذ هو أجل ما يحمد به في الشاهد ، وبه ينفصل البشر من سائر الحيوان ، مع ما كان كل محتمل الكلام فعن عجز لا يتكلم أو عن سكوت . ثم لا يخلو من أن يكون على تقدير كلام غيره فيكون فيه تشابه ، ودل قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] على نفي الشبه له في الصفة والذات ، وأيّد ذا قوله خَلَقُوا كَخَلْقِهِ [ الرعد : 16 ] دل أن شبه الفعل يوجب التشابه ، مع القول إن الخلق لو اجتمع لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [ الإسراء : 88 ] ، فانتفى الشّبه ؛ إذ فيه تماثل ، فثبت له الخلافية لكلام الخلق جميعا على ما ثبت لذاته ، مع ما لم يمتحن جميع كلام الخلق ليدرك منتهى معانيه ، وقد ذكر كلام النمل والهدهد وتسبيح الجبال وغيرها مما لا يفهم شيء من ذلك بالحروف المعجمة ولا على المفهوم من كلام البشر . وإذ ثبت أن من الكلام ما لا يبلغ تقديره وسع الخلق ولا يبلغه فهم ، فمن أحبّ تقدير كلام الرب بذلك فهو مغفّل . وكذلك فعله تعالى خارج عن وصف فعل الخلق . وفي ثبوت الخلافية من جميع الوجوه نفي الحدثية ؛ لما به يقع الوفاق ، وبطل معنى الأعراض والتفرق والاجتماع والحد والغاية والزيادة والنقصان ؛ إذ ذلك وصف كلام الخلق ، واللّه الموفق . ثم لا يخلو من أن يكون غيره فيزول عنه ما ذكرنا من الآفة بغيره ، وذلك علم الحاجة وأمارة الحدث ، أوليس غيره فيكون بنفسه متكلما قادرا عالما ، وباللّه التوفيق .